ابن أبي الحديد

50

شرح نهج البلاغة

وحنكه بتمرة قد لاكها ، ودفعه إليه ، وقال : خذ إليك أبا الأملاك ، هكذا الرواية الصحيحة ، وهي التي ذكرها أبو العباس المبرد في " الكتاب الكامل " ( 1 ) ، وليست الرواية التي يذكر فيها العدد بصحيحة ولا منقولة من كتاب معتمد عليه . وكم له من الاخبار عن الغيوب الجارية هذا المجرى ، مما لو أردنا استقصاءه لكسرنا له كراريس كثيرة ، وكتب السير تشتمل عليها مشروحة . فإن قلت : لماذا غلا الناس في أمير المؤمنين عليه السلام ، فادعوا فيه الإلهية لاخباره عن الغيوب التي شاهدوا صدقها عيانا ، ولم يغلوا في رسول الله صلى الله عليه وآله فيدعوا له الإلهية ، وأخباره عن الغيوب الصادقة قد سمعوها وعلموها يقينا ، وهو كان أولى بذلك ، لأنه الأصل المتبوع ، ومعجزاته أعظم ، وأخباره عن الغيوب أكثر ؟ قلت : إن الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وآله ، وشاهدوا معجزاته ، وسمعوا إخباره عن الغيوب الصادقة عيانا ، كانوا أشد آراء ، وأعظم أحلاما ، وأوفر عقولا ، من تلك الطائفة الضعيفة العقول ، السخيفة الأحلام ، الذين رأوا أمير المؤمنين عليه السلام في آخر أيامه ، كعبد الله بن سبأ وأصحابه ، فإنهم كانوا من ركاكة البصائر وضعفها على حال مشهورة ، فلا عجب عن مثلهم أن تستخفهم المعجزات ، فيعتقدوا في صاحبها أن الجوهر الإلهي قد حله ، لاعتقادهم أنه لا يصح من البشر هذا إلا بالحلول ، وقد قيل : إن جماعة من هؤلاء كانوا ، من نسل النصارى واليهود ، وقد كانوا سمعوا من آبائهم وسلفهم القول بالحلول في أنبيائهم ورؤسائهم ، فاعتقدوا فيه عليه السلام مثل ذلك . ويجوز أن يكون أصل هذه المقالة من قوم ملحدين أرادوا إدخال الالحاد في دين الاسلام ، فذهبوا إلى ذلك ، ولو كانوا في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله لقالوا فيه مثل هذه المقالة ، إضلالا لأهل

--> ( 1 ) الكامل 2 : 217